عبد الملك الجويني
44
نهاية المطلب في دراية المذهب
فنقول : إِذا كان في المسجد مؤذن راتب ، فأذن ، وحضر من الجمع من حضر ، فلا شك أن الذين حضروا يكتفون بالأذان الراتب ، والإِقامة الراتبة ، ولا يؤذن واحد منهم . ولو صلى الناس في الجَمْع الأول ، ثم حضر جمع آخر ، وأرادوا عقد جماعة في ذلك المسجد بعينه ، فقد قال صاحب التقريب : لا ينبغي أن يؤذن مؤذنُ الجمع الثاني مع الإِسماع والإِبلاغ ؛ فإِن ذلك إِن فُرِضَ ، جَرَّ لبساً ، وتعاقبت الأصوات ، والتبس الأمرُ . ولكن هل يؤذن مؤذنٌ في نفسهِ من غير إِبلاغٍ في رفع الصوت ؟ ذَكر صاحبُ التقريب نصوصاً مضطربة في ذلك ، وانتزع منها قولين : أحدهما - أنهم يكتفون بما سبق من الأذان الراتب ؛ فإِنه يتضمن دعاء كل من يحضر أولاً وآخراً إِلى انقضاء الوقت ، فليقع الاكتفاء به . والقول الثاني - أنه يؤذن المؤذن في نفسه ولا يبالغ في رفع الصوت ، ويقيم ، فهذا على قولٍ أذان ليس فيه إِبلاغ في رفع الصوت . والقول الثاني حكاه المزني عن الشافعي في الأذان والإِقامة من غير إِبلاغ في الرفع ، في المختصر الكبير . قال صاحب التقريب : هذا فيمن يحضر المسجد الذي جرى فيه الأذان ، وقد انقضى الجمع الأول ، فأمَّا إِذا أذن مؤذنو المصر على مواضعهم ، وبلغت أصواتُهم الناسَ في رحالهم ، فأرَاد من لا يحضر المسجد أن يصلي في بيته ، فهل يؤذن ويقيم ؟ أم يكتفي بأذان المؤذنين في المصر ؟ قال : هذا محتمل ، يجوز أن يقال : يكتفي بأذان البلد ، ويجوز أن يقال : يؤذن ويقيم . 686 - وممّا نذكره مرسلاً ، أن المرأة لا تؤذن رَافعةً صوتَها ، ولو أذنت في جمع الرجال لا يعتدّ بأذانها وفاقاً ، وذلك يناظر حكمنا بامتناع اقتداء الرجال بها ، وإِن كانت صلاتها صحيحة ، والقياس أن من صحت صلاتُه ، صح الاقتداء به ، ولكن ظاهر النص أن المرأة تقيم ولا ترفع صوتها ، وكان شيخي يقطع بأن المرأة ليست مأمورة بالأذان ، وهذا ما قطع به العراقيون .